
من إنقاذ عسكريين أميركيين قرب مضيق هرمز إلى تفجير أهداف داخل قاعدة بحرية إيرانية في بندر عباس، تنتقل الولايات المتحدة سريعًا من اختبار الأنظمة غير المأهولة في الشرق الأوسط إلى إدخالها مباشرة في قلب العمليات القتالية، فيما تستعد القيادة المركزية الأميركية لإنشاء قوة هجومية متعددة الجنسيات تعمل في الجو وعلى سطح البحر وتحته.
وبحسب تقرير للصحافي إيتام ألمادون في “القناة 12” الإسرائيلية، وسّعت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة الاستخدام العملياتي للأنظمة غير المأهولة في المنطقة، بعدما شهدت الحرب مع إيران أول استخدام أميركي لزوارق غير مأهولة في تنفيذ ضربات هجومية.
والخطوة التالية تتمثل في إنشاء قوة “فالكون سترايك” Task Force Falcon Strike، التي أعلنت القيادة المركزية الأميركية “CENTCOM” تأسيسها في آب، لتكون قوة متعددة الجنسيات والمجالات تعمل بالتعاون مع دول شريكة في المنطقة. ووفق القيادة الأميركية، ستستخدم القوة أنظمة هجومية أحادية الاتجاه في الجو وعلى سطح البحر وتحته، بهدف توسيع القدرات الهجومية غير المأهولة في أنحاء الشرق الأوسط.
ويأتي تشكيل القوة الجديدة بعدما انتقلت بعض هذه الأنظمة بالفعل من مهمات البحث والإنقاذ إلى الهجوم المباشر.
ومن أبرزها زورق “Corsair” غير المأهول، الذي تصنعه شركة Saronic ويشغله ضمن المنطقة “قوة المهام 59” التابعة للأسطول الأميركي الخامس.
ويبلغ طول الزورق نحو 7.3 أمتار، ويمكنه الإبحار لمسافة تتجاوز 1800 كيلومتر، وحمل نحو 450 كيلوغرامًا، والوصول إلى سرعة تبلغ 35 عقدة، أي نحو 65 كيلومترًا في الساعة. وبحسب الشركة المطورة كما ورد في التقرير، تقل كلفته عن مليون دولار.
وفي حزيران، وبعد سقوط مروحية تابعة للجيش الأميركي قرب مضيق هرمز، أُرسل زورق من طراز “Corsair” للبحث عن أفراد الطاقم، وساهم في إنقاذ عسكريين أميركيين اثنين.
لكن بعد شهر واحد فقط، تغيّرت المهمة بالكامل.
فقد استخدمت القوات الأميركية 3 زوارق من الطراز نفسه لمهاجمة غواصة ومنشأة لصيانة السفن في قاعدة البحرية الإيرانية في بندر عباس، ضمن مهمة هجومية أحادية الاتجاه اصطدمت خلالها الزوارق بالأهداف وانفجرت.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن الضربة شكّلت أول استخدام للقوات الأميركية لزوارق بحرية غير مأهولة في عمليات قتالية، بعدما استهدفت 3 زوارق “Corsair” منشأة لصيانة غواصة وسفن في القاعدة البحرية الإيرانية.
وأوضح مسؤول أميركي أن القوات تستخدم حاليًا أنظمة غير مأهولة “على سطح البحر وفوقه وتحته” لتحقيق أهداف عسكرية، مشيرًا إلى أن إحدى أبرز مزايا هذه المنظومات هي القدرة على تنفيذ المهمات مع تقليص المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأميركيون.
ولا يمثل هذا التحول خطوة مفاجئة، بل يأتي نتيجة مسار بدأ قبل سنوات.
ففي عام 2021، أنشأت البحرية الأميركية “قوة المهام 59” بهدف تسريع دمج الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في عمليات الأسطول الخامس في الشرق الأوسط.
وفي المراحل الأولى، استُخدمت هذه الأنظمة بصورة أساسية لجمع المعلومات وتوسيع صورة المراقبة البحرية، قبل أن تنتقل إلى عشرات التدريبات والعمليات إلى جانب القوات المأهولة.
لكن الحرب مع إيران سرّعت الانتقال من الاختبارات والتدريبات إلى القتال الفعلي.
وفي كانون الأول 2025، أنشأت القيادة المركزية قوة “سكوربيون سترايك”، وهي أول قوة في المنطقة مخصصة للمسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه.
واستخدمت هذه المنظومات لاحقًا خلال عملية “زئير الأسد”، قبل أن تستخدم القيادة الأميركية في تموز أيضًا زوارق هجومية غير مأهولة لضرب منشآت إيرانية.
وتأتي “فالكون سترايك” اليوم باعتبارها المرحلة التالية من هذا المسار، من خلال توسيع المفهوم إلى قوة متعددة الجنسيات تعمل في أكثر من مجال في الوقت نفسه. وتؤكد بيانات CENTCOM أن القوة الجديدة تأتي بعد نحو 9 أشهر من إنشاء “سكوربيون سترايك”، وستجمع أنظمة هجومية من الجو والسطح وتحت سطح البحر.
وبالتوازي، تعمل البحرية الأميركية على زيادة مستوى الاستقلالية الممنوحة لهذه الأنظمة.
وبحسب قائد العمليات البحرية الأميركية الأدميرال داريل كودل، يجري العمل على تحديد “مستويات استقلالية” توضّح ما يمكن للوحدة المأهولة أو غير المأهولة القيام به بصورة مستقلة، استنادًا إلى قدرتها على إدراك ما يجري في ميدان المعركة، ومعالجة المعلومات وتنفيذ المهمة من دون انتظار تعليمات من قيادة أعلى.
إلا أن الانتقال من ساحات الاختبار إلى القتال كشف في الوقت نفسه نقاط ضعف هذه التكنولوجيا.
ففي أيلول، أعلنت إيران أنها استولت على مركبة أميركية ذاتية التشغيل تحت الماء من طراز “Anduril Dive-LD”، بعدما تعرضت لعطل خلال مهمة لمسح مياه المنطقة.
وردت القيادة المركزية الأميركية بالقول إن المركبة من طراز قديم، وإنها لم تكن تجمع بيانات حساسة ولم تحمل معدات سونار أو رادار سرية.
وفي حادث منفصل، أفادت القيادة الأميركية بأن زورقين إيرانيين حاولا السيطرة على مركبة غير مأهولة من نوع “Saildrone” في مضيق هرمز، قبل أن تدمرهما القوات الأميركية.
ولا تقتصر التحديات على المخاطر العملياتية، إذ تبرز أيضًا مسألة الكلفة.
فبحسب تقديرات من مصادر مفتوحة وردت في التقرير، تبلغ كلفة زورق “Corsair” الواحد نحو 1.1 مليون دولار، ما يعني أن إرسال هذه المنظومات بدلًا من أطقم بشرية إلى المهمات الخطرة يقلل الخطر على الجنود، لكنه لا يجعل خسارتها رخيصة أو عديمة الأهمية.
وحذّر جوشوا تاليس، الباحث في مركز التحليلات البحرية الأميركي Center for Naval Analyses، من التسرع في استخلاص نتائج نهائية من تجربة الحرب بشأن مستقبل الأنظمة غير المأهولة.
وأوضح أن التجربة العملياتية الحالية تمنح البحرية فرصة استثنائية لتعلم كيفية تشغيل الأنظمة الروبوتية وصيانتها في ظروف قتالية حقيقية، لكنه شدد على أن ما يجري لا يزال “عملية متواصلة من التعلم وليس صورة مكتملة لشكل الحرب المستقبلية”.
وبين أول هجوم بحري غير مأهول على إيران وتأسيس قوة متعددة الجنسيات جديدة، يتضح أن واشنطن لم تعد تنظر إلى المسيّرات البحرية والجوية وتحت المائية كأدوات تجريبية مساعدة، بل كجزء متزايد من القوة الهجومية الأميركية في الشرق الأوسط، وإن كانت ساحات القتال نفسها تكشف بالتوازي حدود هذه التكنولوجيا وكلفتها ومخاطر وقوعها في يد الخصوم.




