
أعاد الرئيس التنفيذي لشركة “OpenAI” سام ألتمان فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في قطاع الذكاء الاصطناعي، بعدما قال إن على العالم أن يتقبّل وقوع بعض “الأشياء السيئة” مقابل الاستفادة من مزايا هذه التكنولوجيا، داعياً في الوقت نفسه إلى إبقائها متاحة على نطاق واسع أمام الجمهور، مع تبنّي مقاربة تنظيمية أقل تشدداً من تلك التي تدفع بها شركات منافسة مثل Anthropic.
وبحسب تقرير للصحافية دانا غوترزون في موقع “mako” الإسرائيلي، قال ألتمان في مقابلة مع برنامج Decoded التابع لـPOLITICO إن فوائد الذكاء الاصطناعي تبرر قبول جزء من مخاطره.
وقال: “نحن نؤمن بأن على العالم أن يتقبّل أن بعض الأشياء السيئة ستحدث، مقابل فوائد هذه التكنولوجيا ومن أجل أن تكون لدى الناس قدرة على الفعل”.
وعندما سُئل عن نقاط الخلاف بين OpenAI ومنافستها Anthropic ورئيسها التنفيذي داريو أمودي، قال ألتمان: “أعتقد أن هناك مساحة واسعة جداً تفصل بيننا”.
وتُعد Anthropic منذ فترة من أبرز الشركات في القطاع الداعمة لفرض تنظيمات مشددة على الذكاء الاصطناعي، وهو موقف كان يتعارض في السابق مع المقاربة الأكثر مرونة التي تبنتها OpenAI.
لكن التقرير أشار إلى أن الفجوة بين الشركتين تقلّصت خلال الأشهر الأخيرة، بعدما دعمت OpenAI قواعد أكثر صرامة على خلفية حوادث اختراق حظيت بتغطية واسعة وسلوكيات غير اعتيادية أظهرتها نماذجها.
كما انضمت الشركة إلى دعم قوانين على مستوى الولايات تفرض متطلبات سلامة أشد، فيما دعم جماعات الضغط التابعة لها أخيراً مشروع قانون من الحزبين في مجلس النواب الأميركي يُلزم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى بإدخال جهات خارجية لإجراء اختبارات السلامة.
ورغم هذا التقارب، حاول ألتمان التمييز بين OpenAI وAnthropic، ولا سيما في ما يتعلق باتهامات “الاستحواذ التنظيمي” التي وجّهها مستشارون تقنيون مقرّبون من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى Anthropic، أي محاولة بعض الشركات الدفع باتجاه قواعد شديدة الصرامة تمنع المنافسين وتخدم مصالحها.
وقال ألتمان: “أنا لا أوافق، لكنني أفهم وجهة نظر من يقولون: هذه التكنولوجيا ستكون قوية جداً وخطيرة جداً، ولذلك يجب أن يمتلكها مختبر واحد في سان فرانسيسكو، ويتأكد من ألا يحدث أي شيء سيئ، ويقرر تقريباً كيفية توزيع فوائدها”.
ووصف هذا السيناريو بأنه “تسوية غير مقبولة إطلاقاً”، معتبراً أنه يتعارض مع “الموقف التنظيمي الأكثر مرونة” الذي تدعمه OpenAI.
وأضاف: “لن أقبل صفقة تقول: سنضمن عدم حدوث اختراقات كبرى، وعدم إساءة استخدام هذه التكنولوجيا، وصفر احتيال، وصفر من كل الأشياء السيئة الأخرى التي ستحدث”.
وتابع: “لأنني أعتقد أن الناس سيفعلون أشياء جيدة على نطاق هائل، بأضعاف مضاعفة، مقارنة بالأشياء السيئة”.
وفي الوقت نفسه، أوضح ألتمان أنه لا يقبل “المخاطر الكارثية الحقيقية”، ومن بينها احتمال “فقدان السيطرة بشكل خطير على الذكاء الاصطناعي”.
وفي المقابل، قال متحدث باسم Anthropic إن المقترحات التنظيمية للشركة “تنطبق فقط على النماذج الموجودة على جبهة التكنولوجيا”.
كما أشارت الشركة إلى تصريحات كان أمودي قد أدلى بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في آب، رداً على الانتقادات المتعلقة بالاستحواذ التنظيمي والإضرار بالشركات الصغيرة.
وقال أمودي حينها: “لطالما صاغت Anthropic مقترحاتها السياسية بحذر شديد”.
وأضاف: “نحاول كثيراً تقديم مقترحات تضر بشركات الذكاء الاصطناعي الموجودة على جبهة التكنولوجيا وتبطئها، وفي الوقت نفسه تفيد المنافسين الأصغر حجماً”.
ويأتي هذا السجال في إطار خلاف أوسع داخل القطاع بشأن سرعة تطوير الأنظمة الأكثر تقدماً وحجم المخاطر المرتبطة بها.
وفي أيلول، نشر أمودي مقالاً دعا فيه القطاع إلى إبطاء وتيرة التطوير بهدف “تقليص المسافة عن الجبهة”، وهو موقف قال التقرير إن ألتمان دعمه علناً.
وفي الشهر نفسه، استقال الباحث في Anthropic جاكوب كوكسون، قائلاً إن الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يعتقدون أنه “قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد”.
كما أفادت وكالة “رويترز” في أيلول بأن Anthropic حذرت من أنه رغم الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، فإن التكنولوجيا يمكن أن تعمل أحياناً بصورة تخالف نوايا مطوريها، وأن تتسلل إلى أنظمة شركات أخرى.
وقالت الشركة إن النماذج المتقدمة قد تُظهر “سلوكيات للحفاظ على الذات”، بينها محاولات “مقاومة الإيقاف”، أو “إخفاء المعلومات أو التلاعب بها”، أو إنتاج مخرجات يمكن تفسيرها على أنها “قسرية أو مضللة أو تلاعبية”.
وفي الجهة المقابلة، يرفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حد كبير الدعوات إلى فرض قيود جديدة، معتبراً أنها ستجعل الشركات الأميركية أقل قدرة على منافسة نظيراتها الصينية.
وأكد ترامب مراراً أن أجهزة إنفاذ القانون الحالية، بما في ذلك وزارة العدل، توفر مستوى كافياً من الحماية، وأنه لا حاجة إلى قواعد تنظيمية جديدة.
وبين دعوات التشدد ومخاوف فقدان السيطرة، يتمسك ألتمان بمقاربة تقوم على إبقاء الذكاء الاصطناعي متاحاً على نطاق واسع، حتى لو كان ذلك يعني تقبّل قدر من المخاطر، ما يضع النقاش حول حدود هذه التكنولوجيا أمام معادلة أكثر تعقيداً بين الابتكار والسلامة.




