
بين الضجيج الذي رافق تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبين السباق المحموم على تسجيل النقاط السياسية، كادت حقيقة أساسية أن تضيع: لبنان انتزع للمرّة الأولى منذ أشهر معادلة مختلفة، عنوانها حماية بيروت ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة.
فبعيداً من السجالات، أظهرت التطوُّرات الأخيرة أنّ المفاوضات الجارية في واشنطن لم تعُد تقتصر على وقف إطلاق نار موضعي أو تهدئة موقتة، بل دخلت مرحلة البحث في ترتيبات أوسع تتصل بمستقبل الجبهة اللبنانية، ودور الجيش اللبناني، وآليات تثبيت الاستقرار ومنع تجدُّد المواجهة.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم أهمية ما تحقق خلال الأيام الماضية. فبينما كانت التسريبات الإسرائيلية تتحدّث عن تفاهمات آخذة في التبلور، كان الوفد اللبناني متمسكاً بأولوية واضحة: وقف إطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، باعتباره المدخل الطبيعي لمعالجة بقية الملفات، من الانسحاب الإسرائيلي إلى عودة النازحين والأسرى وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
لكنّ العنصر الأكثر أهمّية لم يكن في تفاصيل المفاوضات فحسب، بل في التحوُّل الذي طرأ على الموقف الأميركي نفسه. فالمعطيات المتقاطعة الصادرة من واشنطن وتل أبيب، تشير إلى أنّ إدارة ترامب وضعت احتواء التصعيد في لبنان ضمن أولوياتها المباشرة، وأنّها مارست ضغوطاً فعلية لمنع توسع العمليات العسكرية، انطلاقاً من قناعة بأنّ أي انفجار على الساحة اللبنانية قد يهدِّد مسارات تفاوضية أخرى في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز ثمرة الخيار الذي اعتمده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون منذ بداية الأزمة. فبين دعوات التصعيد وخطابات المواجهة، تمسّكت الدولة اللبنانية بخيار الاتصالات السياسية والديبلوماسية، وهو ما أفضى عملياً إلى نشوء مظلة أميركية واضحة تحول دون استهداف بيروت أو جرّ العاصمة إلى دائرة النار. وقد يكون هذا التطوُّر أحد أهم المكاسب السياسية التي تحققت للبنان خلال المرحلة الأخيرة، نظراً إلى ما كانت تمثله التهديدات المتكرّرة للعاصمة من مخاطر أمنية واقتصادية وإنسانية.
وفي موازاة ذلك، اكتسب موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، عندما اختصر المشهد بعبارة شديدة الدلالة: «لا يهمّني من أين يأتي وقف النار، المهمّ أن يحصل وقف إطلاق النار». فالمسألة بالنسبة إلى غالبية اللبنانيّين لم تعُد مرتبطة بمَن يسجّل النقاط أو بمَن يعلن الاتفاق أولاً، بل بكيفية وقف مسلسل التدمير والاستنزاف الذي أصاب البلاد.
بل أكثر من ذلك، فإنّ إشادة بري بالدور الذي لعبه ترامب في دفع الأمور نحو التهدئة، تعكس إدراكاً داخلياً بأنّ الوساطة الأميركية أصبحت جزءاً أساسياً من أي مسار يؤدّي إلى تثبيت الاستقرار، بغضّ النظر عن التباينات السياسية القائمة حول واشنطن وسياساتها في المنطقة.
وفي خلفية المشهد، برزت مؤشرات إضافية لا تقلّ أهمّية. فواشنطن لا تبدو راغبة في تحويل لبنان إلى ورقة ضمن المفاوضات الأميركية- الإيرانية، كما أنّها أظهرت حرصاً متزايداً على منع أي خطوات ميدانية غير محسوبة قد تؤدّي إلى نسف التفاهمات الناشئة. وهذا ما يفسّر جانباً من الضغوط التي مورست خلال الساعات الماضية لمنع انفلات الوضع أو انتقاله إلى مرحلة أكثر خطورة.
ومع ذلك، فإنّ الطريق لا يزال طويلاً. فالتفاهمات الأولية لا تعني أنّ الملفات الكبرى حُسمت نهائياً. لا يزال هناك نقاش حول الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل المناطق الحدودية، وآليات تثبيت وقف النار، ودور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة. كما أنّ نجاح أي اتفاق سيبقى مرتبطاً بمدى قدرته على إنتاج استقرار شامل لا يقتصر على بيروت أو الضاحية أو الجنوب، بل يشمل كامل الأراضي اللبنانية.
لكن، وسط كل هذه التعقيدات، يبرز استنتاج يصعب تجاهله: ما تحقق حتى الآن لم يكن نتيجة التصعيد، بل نتيجة التفاوض. ولم يكن ثمرة المغامرة العسكرية، بل ثمرة الإصرار على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في أصعب الظروف.
ولهذا، فإنّ الامتحان الحقيقي لا يكمن في معرفة مَن ربح الجولة الإعلامية، بل في معرفة ما إذا كانت هذه اللحظة ستتحوَّل إلى نقطة انطلاق نحو استقرار دائم، أم أنّها ستكون مجرّد هدنة جديدة في منطقة اعتادت أن تؤجّل أزماتها أكثر ممّا تحلّها



