سلايدات

“لا ديمقراطية مع الفوضى في الضفة”… انتقاد إسرائيلي يفتح ملفًا حساسًا

لا يمكن، وفق قراءة إسرائيلية داخلية، خوض معركة دفاعًا عن الديمقراطية وسيادة القانون داخل إسرائيل، ثم تجاهل ما يجري في الضفة الغربية، حيث بات تآكل آليات إنفاذ القانون وتراجع استقلال المؤسسات المهنية جزءًا من أزمة أوسع تتجاوز أصلًا الخلاف السياسي بشأن حل الدولتين.

وفي مقال رأي نشرته العقيد في الاحتياط والمحامية بنينا شارفيت باروخ، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي “INSS” ورئيسة “منتدى دفورا”، عبر موقع “N12” الإسرائيلي، اعتبرت أن المعركة على الطابع الديمقراطي للدولة وسيادة القانون تعاني “نقطة عمياء” واضحة تتمثل في تجاهل ما يحدث في الضفة الغربية.

وأشارت شارفيت باروخ إلى أنه في عام 2023 خرج مئات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع دفاعًا عن الديمقراطية الإسرائيلية، واحتجوا ضد إضعاف المحكمة، والمساس باستقلالية الاستشارة القانونية، وتركيز قدر كبير من السلطة في يد المستوى السياسي.

وكانت الرسالة حينها، بحسب الكاتبة، واضحة: الديمقراطية ليست حكم الأكثرية فقط، بل تتطلب أيضًا سيادة القانون، ومؤسسات مهنية ومستقلة، ورقابة قضائية، وحماية للحقوق.

إلا أن هذا الحراك، بحسبها، عانى نقطة عمياء بارزة، إذ سعى في معظمه إلى إنقاذ الديمقراطية داخل إسرائيل من دون التعامل مع ما يجري بالتوازي في الضفة الغربية، بعدما جرى النظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة سياسية منفصلة، ربما مهمة، لكن يمكن تأجيلها حتى لا ينقسم معسكر الاحتجاج.

وترى شارفيت باروخ أن هذه الفصل لم يعد ممكنًا اليوم، مشيرة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تغييرًا عميقًا في منظومات الحكم في الضفة الغربية.

فصلاحيات كانت طوال سنوات في يد الجيش والإدارة المدنية نُقلت، إلى حد كبير، إلى أجهزة مدنية تخضع بصورة مباشرة للمستوى السياسي، الذي تتمثل إحدى أهدافه المعلنة، وفق المقال، في توسيع وترسيخ الاستيطان الإسرائيلي.

وبالتوازي، تراجع بصورة كبيرة موقع الإدارة المدنية التي كانت تؤدي دورًا مركزيًا في إدارة حياة السكان الفلسطينيين والحفاظ على حقوقهم، فيما تقلصت قدرة الجهات المهنية على طرح الاعتبارات القانونية والإدارية في مواجهة السياسات السياسية.

وبحسب المقال، ضعفت أيضًا آليات إنفاذ القانون، فيما تحولت أعمال العنف التي ينفذها إسرائيليون ضد فلسطينيين إلى ظاهرة خطيرة ومستمرة، من دون أن تقابل، في معظم الحالات، بإنفاذ فعّال للقانون.

وشددت شارفيت باروخ على أن القضية لا تتعلق بإخفاقات فردية لشرطي أو جندي، بل بمنظومة أوسع، إذ إن عدم التحقيق بصورة مناسبة في الملفات، وعدم تقديم المخالفين إلى المحاكمة، وإقامة بؤر استيطانية غير قانونية أو السيطرة على أراضٍ من دون رد فعّال من الدولة، يؤدي إلى تكريس رسالة واضحة على الأرض مفادها أن القانون يُطبق على فئة، فيما تستطيع فئة أخرى الافتراض أنه لن يُطبّق عليها.

ويأتي ذلك، بحسب الكاتبة، في وقت تشهد فيه إسرائيل نفسها صراعًا منهجيًا بشأن قوة “حراس البوابة”، من خلال محاولات إضعاف مكانة المستشارين القانونيين، والمواجهة المستمرة مع المستشارة القضائية للحكومة، والخطوات الرامية إلى تغيير مكانة المحكمة وتركيبتها، إلى جانب الصراع مع استقلال الجهات المهنية.

ورأت أن هذه المسارات ليست مطابقة تمامًا لما يحدث في الضفة الغربية، لكنها ليست منفصلة عنه أيضًا.

فالجهة التي ترى في الاستشارة القانونية عقبة أمام سياسات الحكومة، وفي الرقابة القضائية تدخلًا غير شرعي من القانونيين في قرارات المنتخبين، وتسعى إلى استبدال الرأي المهني بالولاء لسياسة الوزير، تطبق هذه النظرة، وفق المقال، ليس فقط في العلاقة بين الحكومة والجهاز القضائي في القدس، بل بصورة أشد في المنطقة التي تمتلك فيها الدولة قوة سلطوية هائلة فيما تكون الرقابة العامة عليها أضعف، أي في الضفة الغربية.

وشددت شارفيت باروخ على أنه لا خلاف على واجب الجهات الأمنية في مواجهة المسلحين الفلسطينيين من دون مساومة، وحماية المواطنين الإسرائيليين المقيمين في الضفة الغربية.

كما أقرت بأن مستقبل المنطقة السياسي موضع خلاف عميق، إذ يمكن تأييد إقامة دولة فلسطينية أو رفضها أو الاعتقاد بعدم وجود حل سياسي عملي حاليًا، لكن أياً من هذه الخلافات، بحسبها، لا يلغي ضرورة فرض سيادة القانون.

ورأت أن دولة ديمقراطية لا يمكنها القبول بواقع لا تُواجه فيه أعمال العنف ضد الفلسطينيين بإنفاذ فعّال للقانون، أو تُستبدل فيه الاعتبارات المهنية باعتبارات أيديولوجية في إدارة المنطقة، أو يُطبق فيه القانون على البناء غير الشرعي بطريقة تمييزية وفق هوية من يقوم بالبناء.

كما انتقدت واقعًا تساعد فيه جهات رسمية، سواء بالفعل أو الامتناع عن الفعل، على دفع سكان فلسطينيين بعيدًا من أماكن يعيشون فيها بصورة قانونية.

وتطرقت الكاتبة إلى سؤال أعمق يتعلق بواقع ممارسة إسرائيل منذ عقود صلاحيات حكم واسعة في منطقة يعيش فيها إسرائيليون وفلسطينيون يخضعون لأطر قانونية مختلفة، ويتمتعون بمستويات متفاوتة جدًا من الحقوق والحماية من سلطات الدولة.

وحتى بالنسبة إلى من يرى أن هذا الواقع ناتج عن نزاع لم يُحل بعد ولا يقبل جميع الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل في الساحة الدولية، ترى شارفيت باروخ أنه لا يمكن تجاهل التوتر المتزايد بين هذا الواقع والقيم الديمقراطية التي تسعى إسرائيل إلى نسبها لنفسها.

ولفتت إلى أن احتجاجات عام 2023 أدركت جيدًا أنه لا وجود للديمقراطية من دون “حراس بوابة”، إلا أن أجزاء واسعة من الاحتجاج حاولت إنشاء فصل مريح يقوم على الدفاع عن الديمقراطية داخل إسرائيل وترك ملف الضفة الغربية للنزاع السياسي في وقت لاحق.

لكن الواقع، بحسبها، يثبت أن هذه المعادلة غير قابلة للاستمرار.

وقالت إن من غير الممكن الحفاظ على ثقافة سيادة القانون داخل إسرائيل، وثقافة مناقضة لها خلف الخط الأخضر، لأن المؤسسات نفسها والحكومة نفسها وثقافة الحكم نفسها تعمل في المكانين.

وأضافت أنه حين يُرسل خطاب يفيد بأن على المهنيين الانصياع للمستوى السياسي، وحين تُعامل الاستشارة القانونية باعتبارها عدوًا، ويتحول إنفاذ القانون إلى ممارسة انتقائية، فلا يمكن توقع توقف التآكل عند نقطة جغرافية مريحة على الخريطة.

ودعت شارفيت باروخ كل من يريد الدفاع عن الطابع الديمقراطي لإسرائيل إلى توسيع زاوية النظر، معتبرة أن المعركة لا يمكن أن تقتصر على حماية استقلال المحكمة والمستشارة القضائية للحكومة.

وبحسبها، يجب أن تشمل أيضًا المطالبة بسيادة حقيقية للقانون في الضفة الغربية، من خلال إنفاذ متساوٍ وحازم ضد أعمال العنف والجرائم التي يرتكبها إسرائيليون، والحفاظ على الاستقلال المهني للجيش والإدارة المدنية، ووضع حدود واضحة لاستخدام القوة السلطوية تجاه السكان الفلسطينيين.

وخلصت إلى أنه لا حاجة إلى الاتفاق على حل الدولتين من أجل الاتفاق على هذا المبدأ، بل يكفي، وفق تعبيرها، أخذ الفكرة التي كانت في صلب الاحتجاج على محمل الجد: الحكم الديمقراطي لا يُقاس فقط بمن يملك القوة، بل أيضًا بالحدود الموضوعة أمام استخدامها، وهذه الحدود “لا تنتهي عند الخط الأخضر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى