
لم تعد المنافسة على الصومال محصورة بالنفوذ السياسي أو العسكري، بل باتت تمتد إلى الموانئ والمطارات والثروات الطبيعية والأمن والفضاء، في وقت يوجّه نائب صومالي معارض اتهامات غير مسبوقة إلى أنقرة، معتبرًا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يفعل في بلاده “ما يشاء”، وأن تركيا تسعى عمليًا إلى السيطرة على الدولة، بالتوازي مع تحوّل المنطقة إلى ساحة تنافس متزايد بين إسرائيل وتركيا على النفوذ في البحر الأحمر.
وبحسب تقرير للصحافي تومر ألموغ في موقع “N12” الإسرائيلي، عمّقت تركيا خلال العامين الماضيين نفوذها في الصومال، ووسّعت حضورها في عدد كبير من القطاعات والمجالات داخل البلاد، فيما قال عضو البرلمان الصومالي عبد الله هاشي عبيب إن أنقرة “تريد السيطرة على الصومال”.
ويرى خبراء تحدثوا إلى الموقع أن الصومال يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، ويشكّل بالنسبة إلى تركيا محطة أساسية في طموحاتها للتحول إلى قوة متوسطة ذات حضور أوسع إقليميًا ودوليًا.
وفي الوقت نفسه، دخلت إسرائيل بصورة متزايدة إلى هذه الساحة خلال العام الماضي، ولا سيما بعد اعترافها بصوماليلاند، بالتوازي مع تصاعد التوتر بينها وبين تركيا.
وقال عبيب لـ”N12″: “أردوغان يفعل في الصومال ما يحلو له. الأتراك ينهبون الصومال”، في هجوم وصفه التقرير بأنه استثنائي على حجم التدخل التركي المتنامي في الدولة الإفريقية.
وبات عبيب خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز وجوه المعارضة الصومالية للنفوذ التركي المتزايد، معتبرًا أن أنقرة لا تكتفي بالحضور السياسي، بل تمد نفوذها إلى القطاعات الأساسية في البلاد ضمن مسار أوسع لتعزيز قوتها وتحويل نفسها إلى قوة متوسطة.
وقال النائب المعارض: “لقد سيطروا على قطاع الصيد بأكمله لدينا، وهم يسيطرون على الموانئ البحرية والمطار، ويدرّبون أفراد أمننا، ويسيطرون على المجال البحري، وينشرون أقمارهم الصناعية هنا، ويحاولون إنشاء قاعدة إضافية في الصومال. نحن في موقع استراتيجي، وهم يريدون السيطرة على الصومال”.
من جهتها، قالت شيري فاين-غروسمان، المديرة العامة لمعهد العلاقات الإسرائيلية – الإفريقية، إن عبيب لا يمثل صوتًا منفردًا داخل الصومال، مشيرة إلى وجود تيار يعارض الوجود التركي والاتفاقيات التي تمنح أنقرة سيطرة على عدد كبير من الموارد الطبيعية في البلاد.
وأضافت أن عبيب يُعد “صوتًا بارزًا وجديًا” في مواجهة التدخل التركي، وأن التيار الذي يمثله أصبح من أشد منتقدي النفوذ التركي، انطلاقًا من اعتقاده بأن هذا الحضور لا يحقق النتائج التي وُعد بها الصوماليون.
بدوره، أوضح عمر محمود، الخبير في شؤون الصومال والقرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية “ICG”، أن تركيا بدأت تدخلًا واسعًا في الصومال عام 2011، عندما قدمت مساعدات إنسانية للبلاد على خلفية المجاعة الشديدة التي ضربتها آنذاك.
وقال محمود لـ”N12”: “بعد فترة قصيرة، حصلت تركيا على عقود لإدارة الميناء والمطار في مقديشو، ثم شاركت لاحقًا في إعادة بناء الجيش الصومالي، وهذه أشكال من التعاون لا تزال مستمرة حتى اليوم”.
وأضاف أن تركيا اختارت الاستثمار في الصومال رغم المخاطر لأنها رأت فيه إمكانات وفرصًا استراتيجية.
وأشار إلى أن العامين الأخيرين شهدا “تعميقًا إضافيًا للتدخل التركي في الصومال”، بعدما توجهت مقديشو إلى حلفائها في محاولة لوقف مسار استقلال صوماليلاند، ما سمح لتركيا بالحصول على موطئ قدم مهم في قطاعي النفط والصيد، إلى جانب المصادقة على مشاريع في مجالات الأمن والفضاء.
وقال محمود إن “الصومال مهم لطموحات تركيا الأوسع في التحول إلى قوة متوسطة، وربما أكثر من ذلك”، معتبرًا أنه قد يشكّل “منصة انطلاق” لأنقرة لتعميق تدخلها في مختلف أنحاء القارة الإفريقية وفي منطقة المحيط الهندي.
وفي سياق موازٍ، زعم عبيب أنه عُرضت عليه في السابق أموال للمساعدة في تمرير مطالب تركية مختلفة، لكنه رفضها.
وادعى أن عددًا كبيرًا من أعضاء البرلمان يتلقون رشى من تركيا، ولذلك، بحسب قوله، لا توجد إمكانية فعلية لتمرير تشريعات من شأنها تقليص تدخل أنقرة في البلاد.
وفي المقابل، شدد محمود على أن الفساد يشكل “مشكلة هائلة” في الصومال، لكنه قال إنه لا يعرف بصورة محددة الادعاءات التي طرحها عبيب في هذا الشأن.
وبحسب التقرير، تحولت الصومال أيضًا إلى ساحة مواجهة نفوذ بين إسرائيل وتركيا، في ظل توتر غير مسبوق بينهما خلال الأشهر الأخيرة.
وأثار الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، التي تطمح إلى نيل السيادة ضمن الأراضي الصومالية، غضب الحكومة في مقديشو، فيما منح هذا التحرك إسرائيل نقطة ارتكاز في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا، قريبة من البحر الأحمر ومن الحوثيين في اليمن.
وقالت فاين-غروسمان إن “إسرائيل وتركيا تتصارعان على الحضور في البحر الأحمر”، مشددة على الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بأكملها.
ووفق تقرير لشبكة “CNN”، نشرت إسرائيل قوات في الدولة الإفريقية خلال المواجهة مع إيران.
أما عبيب، الذي عارض بشدة الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، فقال إنه يحاول إقناع الإدارة الأميركية والرأي العام الصومالي بالتحرك ضد التدخل التركي، معربًا عن أمله في أن تقوم إسرائيل بذلك أيضًا.
وقال إن مجرد دعوته إلى التعاون مع إسرائيل “يعكس مدى كراهيتنا لتركيا ولما تفعله بنا”.
وبذلك، تتجاوز المعركة على الصومال حدود العلاقات الثنائية بين مقديشو وأنقرة، لتتحول تدريجيًا إلى صراع أوسع على الموانئ والثروات والنفوذ العسكري والبحر الأحمر، في وقت تكشف فيه الانتقادات الصومالية الداخلية أن تمدد تركيا لم يعد يمر من دون مقاومة سياسية من داخل البلاد نفسها.




