سلايدات

سوريا أمام لغز الطاقة… انفجاران وشبكة على المحك

حادثتان خلال أيام قليلة أعادتا أمن الطاقة في سوريا إلى الواجهة، بعدما أدى انفجار على خط الغاز في محطة تشرين بريف دمشق إلى خروج 3 محطات لتوليد الكهرباء من الخدمة، بعد نحو يومين فقط من حريق ناجم عن “عمل تخريبي” في خط الغاز بين الشولا ودير الزور. وبينما لم تُحسم أسباب الانفجار الأخير، يرى خبراء أمنيون وسياسيون أن تكرار الحوادث يفرض تساؤلات جدية بشأن حماية البنية التحتية الحيوية ومحاولات تعطيل مسار التعافي الاقتصادي.

وأعلنت الشركة السورية للكهرباء، مساء الأربعاء 30 أيلول، خروج محطات دير علي والناصرية وتشرين من الخدمة نتيجة انفجار على خط الغاز في محطة تشرين بريف دمشق، ما أدى إلى توقف إمدادات الغاز اللازمة لتشغيلها، محذرة من انخفاض مؤقت في إنتاج الكهرباء وزيادة ساعات التقنين. ولم تحدد السلطات حتى الآن سبب الانفجار.

وجاء الحادث بعد يومين من انفجار صمام في خط الغاز بين الشولا ودير الزور، قالت الشركة السورية للبترول إنه نجم عن “عمل تخريبي”، وأدى إلى توقف ضخ الغاز من معمل الجبسة باتجاه محطات توليد الكهرباء، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني وكوادر الشركة من السيطرة على الحريق.

وفي قراءة لهذه التطورات، اعتبر الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عصمت العبسي، في حديث إلى “سوريا الآن”، أن التعامل مع الحوادث بوصفها وقائع منفصلة يشكل “نظرة قاصرة”، معتبرًا أن خطوط إنتاج الطاقة، وخصوصًا الغاز، أصبحت هدفًا بالغ الحساسية بسبب ارتباطها المباشر بمحطات توليد الكهرباء.

وأشار العبسي إلى أن أي تعطيل لهذه الخطوط ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للسوريين، كما يؤثر في النشاط الصناعي والاستثماري، معتبرًا أن الجهات التي تقف خلف مثل هذه العمليات، في حال ثبوت الطابع التخريبي، تسعى إلى إرباك الاستقرار ومنع انطلاق عجلة التنمية.

من جهته، رأى الكاتب والباحث السياسي عمر كوش أن تتابع الحوادث يضع الحكومة أمام تحدٍّ متزايد في حماية منشآت وخطوط الطاقة، داعيًا إلى الكشف عن الجهات المسؤولة وتحديد ما إذا كانت العمليات مرتبطة بخلايا محلية أم بجهات خارجية تسعى إلى الضغط على الحكومة السورية أو إرباك مشاريع تطوير قطاع الطاقة.

وطرح كوش احتمال أن تحمل الهجمات، في حال ثبوت ترابطها، رسالة إلى الخارج مفادها أن سوريا ليست ممرًا آمنًا للطاقة، في وقت يدور فيه نقاش بشأن دور محتمل للأراضي السورية في مشاريع إقليمية لنقل الطاقة، بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز ومشاريع ربط الغاز بين الأردن وسوريا وتركيا.

غير أن العبسي شدد على أن التحقيق في انفجار خط محطة تشرين لم يحسم بعد ما إذا كان ناتجًا عن عمل تخريبي أو خلل تقني، ما يبقي فرضيات الاستهداف في إطار التحليل إلى حين صدور نتائج رسمية.

وربط العبسي كذلك بين الضغوط على قطاع الطاقة وحادثة استهداف حافلة قرب جسر مصياف مساء الأربعاء، والتي أسفرت عن سقوط 7 ضحايا وإصابة 4 أشخاص. ولم تعلن السلطات السورية هوية المنفذين أو دوافعهم حتى الآن، كما لم تثبت رسميًا صلة الهجوم بمنشآت الطاقة.

وتزداد صعوبة حماية شبكة الطاقة السورية، بحسب كوش، بسبب امتداد خطوط الغاز والنفط على مئات الكيلومترات، ومرور أجزاء واسعة منها في مناطق صحراوية ومفتوحة، ما يجعل تأمينها بالكامل بحاجة إلى قدرات بشرية وتقنية كبيرة.

وفي ما يتعلق بالجهات المحتملة، قال العبسي إنه لا يمكن توجيه الاتهام إلى طرف واحد في غياب نتائج التحقيقات، مشيرًا إلى فرضيات تشمل فلول النظام السابق وخلايا تنظيم الدولة، إضافة إلى جهات متضررة، بحسب تقديره، من إعادة تنظيم وإدارة قطاع الطاقة تحت سلطة الدولة.

أما كوش فطرح، في إطار تحليله، مجموعة أوسع من الاحتمالات تشمل خلايا تابعة لتنظيم الدولة، وعناصر مرتبطة بإيران أو حزب الله، فضلًا عن جهات معارضة لمسار دمج “قسد” في مؤسسات الدولة، مثل عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني أو مجموعات أخرى. كما أشار إلى احتمال وجود أطراف خارجية لديها مصلحة في إرباك الاستقرار السوري، وذكر إسرائيل ضمن هذا السياق. ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية تثبت مسؤولية أي من هذه الجهات عن الحوادث الأخيرة.

وتأتي هذه التطورات في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى إعادة تأهيل قطاع الطاقة وزيادة إنتاج الغاز. وكانت الشركة السورية للبترول قد وقعت في 16 حزيران عقدًا مع شركتي “كونوكو فيليبس” و”نوفاتيرا إنرجي” الأميركيتين لتطوير عدد من حقول الغاز وزيادة الإنتاج، بهدف تعزيز إمدادات الوقود لقطاع الكهرباء والقطاعات الحيوية الأخرى.

وأكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي عند توقيع العقد أن المشروع يستهدف زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة التشغيلية ودعم منظومة الطاقة، في وقت يبقى فيه أمن المنشآت والخطوط عاملًا حاسمًا في قدرة الحكومة على تنفيذ خطط التعافي.

ومع تكرار الحوادث، تبدو منشآت الطاقة أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في إعادة تأهيلها من جهة، وحمايتها من أي استهداف أو خلل من جهة أخرى، إذ يمكن لانفجار في نقطة واحدة من شبكة الغاز أن يخرج عدة محطات كهرباء من الخدمة ويضاعف ساعات التقنين في مناطق واسعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى