
ترك قانون العفو سؤالاً أساسياً من دون جواب واضح: ما المقصود بالتكرار الذي يحرم شخصاً من الاستفادة من العفو؟ هل هو التكرار بمعناه في قانون العقوبات، حيث يشترط القانون، في حالات محددة، صدور حكم نهائي سابق وارتكاب جريمة لاحقة؟ أم يكفي تعدد الملاحقات، حتى لو لم يصدر حكم؟ رغم ذلك، جعل القانون التكرار سبباً للاستثناء من العفو، وحدد أعداداً مختلفة في قضايا السرقة والمخدرات، من دون أن يشرح كيفية احتساب الملفات أو مصير القضايا التي لم تُحسم.
ويجري هذا النقاش فيما لا يزال الطعن المقدّم من “التيار الوطني الحر” أمام المجلس الدستوري بانتظار القرار النهائي. وكان المجلس قد قرر وقف مفعول القانون مؤقتاً إلى حين البت بالطعن، ما يعني أن البحث في كيفية تطبيقه وتفسير بنوده يسبق حسم مصيره دستورياً.
ففي قضايا السرقة، يستثني القانون من العفو من تكررت ملاحقته أو أحكامه أكثر من مرتين في الجنايات، وأكثر من ثلاث مرات في الجنح. أما في جنايات المخدرات، فيستثني من تجاوز تكرار الجنايات لديه المرة الثانية، سواء صدر حكم أم لم يصدر.
ولفهم الفرق، فإن التكرار في قانون العقوبات لا يعني أن اسم الشخص ذُكر أكثر من مرة أو أن أكثر من شبهة ارتبطت به. ففي حالات يحددها القانون، يتحقق التكرار عندما يكون الشخص قد أُدين بحكم نهائي، ثم ارتكب جريمة جديدة ضمن شروط ومهل محددة. أما قانون العفو، فيستخدم عبارات مثل “تكرار الملاحقات”، ويشمل في قضايا المخدرات حالات لم يصدر فيها حكم، ما يترك أسئلة مهمة بلا إجابة.
ولتوضيح المشكلة، تخيّلوا سائق سيارة أجرة أوصل راكباً إلى مكان، ثم تبيّن أن الراكب متورط في سرقة. ورد اسم السائق في المحضر لأنه نقله، من دون وجود دليل على علمه بالسرقة أو مشاركته فيها. وإذا ورد اسمه في محاضر أخرى لأسباب مشابهة، فهل تُحتسب هذه الملفات تكراراً بحقه؟
وفي مثال آخر، تُضبط مخدرات في سيارة يستخدمها أكثر من شخص، فيُذكر اسم مالكها في المحضر. لكن ملكية السيارة وحدها لا تثبت أنه كان يعلم بوجود المخدرات أو شارك في الجريمة. فإذا ظهر اسمه في أكثر من ملف، فهل يُستثنى من العفو قبل أن تثبت مشاركته؟ هذان مثالان افتراضيان، لكنهما يبيّنان أهمية التمييز بين ورود الاسم في محضر، وملاحقة الشخص قضائياً، وإدانته. فمجرد ذكر الاسم في تقرير أمني لا يعني، وحده، أن دعوى قضائية أُقيمت عليه أو أن الجريمة ثبتت بحقه.
ويحذّر مصدر قضائي رفيع من أن تطبيق هذا البند قد يصبح أكثر تعقيداً مع كثرة الملفات وتعدد الجهات التي تحتفظ بالمعلومات. وبحسب معلومات قضائية، يجري التدقيق يدوياً في معظم الحالات، ما يجعل التحقق من الأسماء ومآل كل ملف أمراً أساسياً، تفادياً لاحتساب الشبهات أو الملفات غير المحسومة كأنها جرائم ثابتة.
وفي هذا الإطار، زار النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، غرفة العمليات المركزية المشتركة لإدارة ملفات العفو العام في قيادة الدرك بجسر الباشا، للاطلاع على التحضيرات الجارية. وتعمل الغرفة على جمع ملفات المحكومين والموقوفين، بما فيها الأحكام والسجلات العدلية والمعلومات المتوافرة لدى الأجهزة المعنية، تمهيداً لفرز الحالات.
وكان “ليبانون ديبايت” قد نشر سابقاً أن مجلس القضاء الأعلى يدرس إصدار تعميم لتنظيم تطبيق القانون وتوحيد التعامل مع ملفاته. لكن المصدر القضائي يوضح أن التعميم قد ينظم خطوات العمل، لكنه لا يحل محل القانون ولا يفرض على القاضي حكماً في قضية بعينها. فالقاضي يطبّق النص ويفسّره عند نظر كل ملف، أما تعديل القانون أو إضافة قاعدة عامة إليه فيحتاج إلى تشريع من مجلس النواب.
ويخلص المصدر إلى أن المشكلة تكمن في أن بنداً قد يؤثر في مصير الموقوفين والمحكومين لا يحدد بدقة المقصود بالملاحقة، ولا كيفية احتساب الملفات التي لم يصدر فيها حكم، أو التي انتهت بالحفظ أو البراءة. وكلما بقيت هذه الأسئلة بلا جواب، زاد احتمال اختلاف التطبيق من ملف إلى آخر.




