سلايدات

السفارة الأميركية تشيد بإعادة هيكلة المصارف… والأنظار إلى “الفجوة”

رحّبت السفارة الأميركية في بيروت، الخميس، بإقرار مجلس النواب اللبناني قانون إعادة هيكلة المصارف، داعية الحكومة إلى المضي سريعاً في استكمال المسار الإصلاحي عبر إقرار قانون الفجوة المالية، في موقف أميركي يربط بين التشريعين باعتبارهما جزءاً أساسياً من معالجة تداعيات الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019.

وقالت السفارة، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، إن الولايات المتحدة «ترحّب بإقرار مجلس النواب اللبناني قانون إعادة هيكلة المصارف في لبنان، وتحث الحكومة اللبنانية بشدة على مواصلة جهودها لإقرار قانون الفجوة المالية».

واعتبرت أن هذين الإجراءين التشريعيين يمثلان «خطوات حاسمة نحو تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، واستعادة الثقة بالقطاع المالي، ودفع عجلة التعافي الاقتصادي المستدام».

وأكدت السفارة أن الولايات المتحدة تبقى «ملتزمة التزاماً راسخاً بدعم إصلاحات هادفة وشفافة وخاضعة للمساءلة، من شأنها تعزيز الاستقرار والازدهار على المدى الطويل للشعب اللبناني».

ويأتي الموقف الأميركي في اليوم نفسه الذي رحّب فيه صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرها مجلس النواب على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، واصفاً إياها بأنها «خطوة كبيرة» في اتجاه معالجة الأزمة المالية، مع التشديد على أن التنفيذ الفعلي للقانون سيكون أساسياً.

ويمنح القانون المعدل الهيئة المصرفية العليا صلاحيات أوسع لتقرير مصير المصارف المتعثرة، بما يشمل تحديد ما إذا كان المصرف يحتاج إلى إعادة هيكلة أو تصفية، ووضع الإجراءات اللازمة لإعادة تأهيله، في إطار محاولة لإيجاد آلية قانونية لمعالجة أوضاع القطاع الذي يعيش أزمة عميقة منذ انهيار النظام المالي أواخر عام 2019.

لكن قانون إعادة هيكلة المصارف لا يحسم وحده القضية الأكثر حساسية بالنسبة إلى اللبنانيين، وهي كيفية توزيع الخسائر المالية وتحديد مسؤولية الدولة ومصرف لبنان والمصارف، إضافة إلى الآلية التي سيستعيد عبرها المودعون أموالهم.

وهنا تبرز أهمية ما يُعرف بـ«قانون الفجوة المالية»، الذي يحمل رسمياً عنوان قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، ويهدف إلى وضع إطار لمعالجة الخسائر المتراكمة في النظام المالي وتحديد كيفية استرداد الودائع وترتيب المسؤوليات بين مختلف الأطراف.

وكان صندوق النقد قد أعلن أن النقاشات مع السلطات اللبنانية لا تزال مستمرة بشأن تعديلات مطلوبة على مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، بهدف جعله متوافقاً مع المبادئ والمعايير الدولية، وخصوصاً لناحية حماية المودعين وتراتبية الدائنين وكيفية توزيع الخسائر.

وتبلغ تقديرات الخسائر التي وضعتها الحكومة اللبنانية عام 2022 نحو 70 مليار دولار، فيما يرى اقتصاديون أن الرقم قد يكون ارتفع منذ ذلك الحين، ما يجعل تحديد كيفية توزيع هذه الخسائر أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للخلاف بين الدولة والمصارف والمودعين.

وتعود جذور الأزمة إلى أواخر عام 2019، عندما فرضت المصارف قيوداً قاسية على السحوبات والتحويلات ومنعت المودعين عملياً من الوصول الحر إلى حساباتهم بالدولار، بالتزامن مع انهيار الليرة وتوقف الدولة عن سداد ديونها الخارجية. ومنذ ذلك الحين، بقيت معالجة الخسائر المصرفية واستعادة الودائع من دون حل شامل.

وكان القانون الأساسي لإصلاح وضع المصارف قد صدر في آب 2025، قبل أن يُبطل المجلس الدستوري لاحقاً بعض مواده، ما استدعى إدخال تعديلات جديدة خلال العام الحالي وإعادة مناقشة النص في لجنة المال والموازنة ثم في الهيئة العامة لمجلس النواب.

وخلال مناقشة التعديلات، شدد رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان على ضرورة منع تداخل الصلاحيات بين الهيئات الرقابية المختلفة، وتوضيح دور الهيئة المصرفية العليا في إعادة الهيكلة والتصفية، بالتوازي مع المطالبة بمعالجة ملف الودائع ضمن قانون مستقل يؤمّن التمويل والحقوق بعد التدقيق في موجودات الدولة والمصارف.

ولا يزال نفاذ التعديلات مرتبطاً باستكمال الإجراءات الدستورية، إذ أشار صندوق النقد إلى أن القانون الذي أقره المجلس يحتاج إلى موافقة رئيس الجمهورية جوزاف عون، كما تبقى إمكانية الطعن به أمام المجلس الدستوري قائمة.

ويعكس موقف السفارة الأميركية، بعد موقف صندوق النقد، تقاطعاً دولياً واضحاً حول ضرورة استكمال التشريعات المالية وعدم الاكتفاء بإعادة هيكلة المصارف وحدها.

فالهدف بالنسبة إلى الجهات الدولية ليس فقط تحديد المصارف القابلة للاستمرار وتلك التي يجب تصفيتها، بل التوصل أيضاً إلى صيغة واضحة وشفافة تحدد مصير عشرات مليارات الدولارات من الخسائر، وتحمي حقوق المودعين وتعيد بناء قطاع مصرفي قادر على الإقراض وتمويل الاقتصاد.

ومن هنا، تحمل دعوة السفارة الأميركية لإقرار قانون الفجوة المالية رسالة مباشرة إلى الحكومة اللبنانية بأن إقرار قانون المصارف يُنظر إليه باعتباره خطوة أساسية، لكنه ليس نهاية المسار.

فالاختبار الأكثر حساسية سيبقى في القانون الذي سيحدد عملياً من يتحمل الخسائر، وكيف تُعاد الودائع، وبأي جدول زمني، وما إذا كان لبنان سيتمكن أخيراً، بعد نحو 7 سنوات من الأزمة، من وضع إطار شامل يعيد الثقة إلى القطاع المصرفي ويفتح الطريق أمام اتفاق إصلاحي أوسع مع صندوق النقد الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى