
لسنوات، حوّلت عائلة إجرامية في باريس عشرات الأطفال والمراهقين إلى أدوات للسرقة، وأرسلتهم يوميًا إلى «ديزني لاند» ومحطات المترو ومطار شارل ديغول لاستهداف السياح. العائد كان يصل في المتوسط إلى نحو 25 ألف يورو يوميًا، أما من يعود بمبلغ أقل من المطلوب فكان يواجه، بحسب التحقيقات، الضرب والحروق والاعتداءات الجنسية، في وقت عاش فيه رجال العائلة حياة مترفة بين الكازينوهات والفنادق الفاخرة والسيارات الباهظة.
وبحسب تقرير لموقع “ynet” الإسرائيلي، قضت محكمة فرنسية بسجن روبرتو حميدوفيتش، البالغ 48 عامًا، لمدة 8 سنوات، بعدما أدانته بقيادة عائلة إجرامية عملت في باريس وأجبرت أطفالًا ومراهقين طوال سنوات على نشل السياح والمارة في أبرز المواقع السياحية في العاصمة الفرنسية، ولا سيما «ديزني لاند» ومحطات المترو.
وفرضت المحكمة على حميدوفيتش، وهو من عائلة من الروما البوسنيين، غرامة قدرها 500 ألف يورو. كما حُكم على زوجته ليلى بالسجن 6 سنوات وغرامة بقيمة 300 ألف يورو، فيما تراوحت أحكام السجن بحق 5 متهمين آخرين من أفراد العائلة بين 5 و7 سنوات، بينهم اثنان من أبنائهما وابن شقيقهما.
وقررت المحكمة كذلك ترحيل جميع المدانين من فرنسا بعد انتهاء محكومياتهم، ومنعهم من دخول البلاد مجددًا.
وأُدين أفراد العائلة الـ7، بصورة رئيسية، بتهمة الاتجار بالبشر، بعدما خلصت المحكمة إلى أنهم أجبروا أطفالًا، معظمهم من أبنائهم ولكن بينهم أطفال آخرون أيضًا، إلى جانب شابات، على سرقة المارة.
وكان التحقيق، الذي انطلق في نهاية عام 2022، قد كشف أن مجموعات النشل كانت تتألف في معظمها من فتيات وطفلات، بعضهن في سن 10 سنوات فقط، وكان يتم نقلهن في مجموعات إلى مطار شارل ديغول الدولي أو إلى «ديزني لاند» في باريس، ولا سيما خلال ساعات العروض المسائية داخل المنتزه، حيث يُطلب منهن نشل السياح الأجانب.
وبعد انتهاء «جولات السرقة»، كان الأطفال يُعادون إلى باريس لتسليم رجال العائلة المسروقات والأموال، والتي كانت تبلغ في المتوسط نحو 25 ألف يورو يوميًا.
ولم تقتصر المهمات على المنتزه والمترو، إذ كان الأطفال يُرسلون أيضًا للترصد بالزبائن قرب أجهزة الصراف الآلي، وانتظار إدخالهم الرقم السري قبل سرقة أموالهم ومحافظهم.
وبحسب التحقيقات، كان من يفشل في جمع المبلغ المطلوب يتعرض للضرب والحروق أو للاعتداء الجنسي.
كما تلقى الأطفال تعليمات بإبلاغ الشرطة، عند توقيفهم، بأن أعمارهم 12 عامًا، أي أقل بسنة واحدة من سن المسؤولية الجنائية في فرنسا، الأمر الذي كان يجبر المحققين على إطلاق سراحهم مرارًا.
ويُشتبه في أن عصابة حميدوفيتش كانت جزءًا من شبكة نشل دولية تمتد عبر عدة دول أوروبية، فيما تشير التقديرات إلى أنها كانت مسؤولة عن ما يصل إلى 75% من حالات السرقة في مترو باريس.
وفي مقابل الظروف القاسية التي عاشها الأطفال، قالت النيابة إن الرجال البالغين في العائلة تمتعوا بحياة مترفة.
فالأطفال الذين جرى استغلالهم كانوا يقيمون في فنادق رخيصة أو في مبانٍ مهجورة ومتداعية، بينما كان رجال العائلة يرتادون الكازينوهات والفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية، ويملكون عددًا من السيارات الفارهة والمجوهرات الثمينة والملابس المصممة من علامات معروفة.
وبحسب النيابة، جمع روبرتو وليلى حميدوفيتش وحدهما نحو 2 مليون يورو، جرى إخفاء جزء منها خارج فرنسا.
وفي المحكمة، حاول روبرتو حميدوفيتش الدفاع عن نفسه بالقول إنه مجرد تاجر سيارات مستعملة ويتقاضى ما بين 2000 و5000 يورو شهريًا، إلا أن المحكمة رفضت روايته.
وهذه ليست المرة الأولى التي يمثل فيها أفراد من عائلة حميدوفيتش أمام القضاء الفرنسي.
ففي المحاكمة الأولى عام 2013، حُكم على فهيم حميدوفيتش، عم روبرتو، بالسجن المؤبد بتهمة الاتجار بالبشر، وبعدها انتقلت قيادة العائلة إلى روبرتو.
وفي عام 2025، صدر حكم مماثل بحق محمد حميدوفيتش لارتكابه الجرائم نفسها، فيما من المنتظر أن تبدأ خلال أسابيع في باريس محاكمة فرع آخر من العائلة على خلفية أفعال مشابهة.
وخلال المحاكمة الأخيرة، وصفت النيابة عائلة حميدوفيتش بأنها ذات «بنية عائلية مظلمة تُدار بأسلوب يعود إلى العصور الوسطى»، حيث لم يكن الأطفال، الذين لا يعرف كثير منهم القراءة والكتابة، يملكون فرصة حقيقية للخروج من دائرة الجريمة.
وبحسب وصف الادعاء، كان الأطفال يكبرون داخل هذه المنظومة، ثم يأتي دورهم لاحقًا في استعباد الجيل التالي وإرساله للسرقة في الشوارع، ما أبقى الدائرة مستمرة من جيل إلى آخر.
وبعد توقيف كبار أفراد العائلة، اختفى عدد كبير من عشرات الأطفال الذين كانوا يُستخدمون في عمليات النشل. ونقلت خدمات الرعاية الاجتماعية بعضهم إلى عائلات حاضنة، لكن التقديرات تشير إلى أن نحو نصفهم فرّوا لاحقًا.
وهكذا، تكشف القضية أن وراء سرقات تبدو صغيرة في شوارع باريس وقطاراتها شبكة منظمة كانت تُدار بأرباح ضخمة، فيما كان ثمنها الحقيقي يُدفع من أطفال عاشوا تحت العنف والخوف والاستغلال.




