
كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
1- جوّع الناس، واجعلهم يشتهون الحياة بعدما تتحول أبسط مقوماتها إلى رفاهية بعيدة المنال.
2- ارفع أسعار كل شيء، حتى الغذاء والدواء، واترك الإنسان في صراع يومي لتأمين ضرورياته.
3- احرمه الكهرباء والماء، ثم اجعله يدفع ثمنهما مرتين وثلاثًا، وكأن حقه في الحياة خدمةٌ إضافية عليه أن يشتريها.
4- أخفه من الغد، وأقنعه بأن الآتي أعظم، حتى يصبح الخوف من المستقبل أقوى من إرادته في البقاء.
5- أرسل من يغريه بالمال، ويعده بحياة أفضل في مكان آخر، وازرع في نفسه فكرة أن الرحيل خلاص، وأن البقاء عبء لا يُحتمل.
6- حدّد سعرك، ولا تفاوض على هدفك.
7- انتظر، فالجائع والمنهك والخائف قد يصل إلى لحظة يظن فيها أن التخلي عن أرضه هو السبيل الوحيد لإنقاذ نفسه وعائلته.
8- تمسّك بما فرضته، ولا تمنحه فرصة حقيقية لاستعادة قدرته على الصمود.
9- ارفع الضغط أكثر، حتى تضيق الخيارات، ويصبح الرحيل أقرب إلى الاستسلام الذي فُرض عليه منه إلى القرار الذي اتخذه بحرية.
10- ادفع أكثر، واشترِ ما تستطيع، وشجّع على البيع، ثم ادفع أصحاب الأرض إلى مغادرتها، واحدًا تلو الآخر.
وهكذا، تكون قد احتللت الأرض دون أن تطلق رصاصة واحدة؛ دفعت المال بدلًا من الدم، واستخدمت الحاجة بدلًا من القوة العسكرية، وانتظرت حتى يصبح الإنسان مستعدًا للتخلي عما كان يرفض التخلي عنه في ظروف طبيعية.
لكن يبقى السؤال الأخطر: هل اختار الإنسان الرحيل فعلًا، أم دُفع إلى هذا الخيار بعدما سُدّت في وجهه أبواب الحياة؟ وهل يكون البيع حرًّا حين تكون الحاجة هي التي تمسك بيد البائع، واليأس هو الذي يحدّد ثمن ما يبيع؟
إن الفرق كبير بين إنسان يبيع أرضه لأنه يريد أن يبيعها، وإنسان يبيعها لأنه لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة البقاء فيها.
الأرض ليست عقارًا فحسب، والإنسان ليس سلعة، والانتماء ليس رقمًا في حساب مصرفي. فقد تُشترى الأرض بالمال، لكن شراءها لا يمحو بالضرورة تاريخ أهلها، ولا يقتلع جذورهم، ولا يمنح المشتري حق الادعاء بأن أصحابها اختاروا الرحيل بحرية.
فالاحتلال لا يكون دائمًا دبابة تعبر الحدود، ولا جنديًا يرفع علمًا فوق مبنى. قد يكون تجويعًا، أو تخويفًا، أو حرمانًا من مقومات الحياة، أو إغراءً ماليًا يأتي في اللحظة التي يبلغ فيها اليأس ذروته.
وحين يُدفَع الإنسان إلى الاختيار بين كرامته ولقمة عيش أطفاله، فإن السؤال لا يعود فقط: لماذا باع أرضه؟ بل يصبح: من الذي جعل البقاء فيها بهذه القسوة؟
هكذا قد تُحتل الأرض بالمال بدلًا من الدم، لكن الثمن الحقيقي لا يُقاس بما دُفع لشرائها، بل بما فُقد من حياة وكرامة وذاكرة وانتماء


